أحمد بن علي القلقشندي
184
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
كانت عامرة فيما مضى ، قريبة من « هدر رجال » ( 1 ) قبالة بازار بلَّو ، وهذا البازار هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض ، ويباع فيه كلّ شيء يجلب من الأقاليم ، ويقرب من كودلوا الكبير . وسرنا في يوم السّبت سوقا طول النّهار ، حتّى نزلنا في وطأة الأبلستين ، وفي هذا النهار عبر مولانا السلطان - نصره اللَّه - على مكان المعركة لمشاهدة أمم التّتار ، وكيف تعاقبت عليهم من العقبان كواسرها ، وكفّ بأسهم من النّسور مناسرها ( 2 ) ، وكيف أصبحوا لا يندبهم إلا البوم ، وتحقّقوا أن الَّتي أهلكتهم زرق الأسنّة لا زرق الرّوم ، فرآهم لمن بقي عبرة ، وعرضوا على ربّهم صفّا وجاؤوه كما خلقوا أوّل مرّة ، وأبصر الرّياح لأشلائهم متخطَّفة ، والهوامّ في أجسادهم متصرّفة ، وشاهدهم وقد هذأهم ( 3 ) كلّ شيء حتّى الوحوش والرّياح : فهذه من صديدهم متكرّعة وهذه عليهم متقصّفة . قد سوّدت شجر الجبال شعورهم فكأنّ فيه مسفّة الغربان ! ولمّا عاينهم مولانا السلطان وعاينهم الناس ، أكثروا شكر اللَّه على هذه النّعم التي أمست لكافّة الكفر كافّة وشالَّة ودارزة ، وأثنوا على مننه التي سنّت ( 4 ) إليهم خيار العساكر المنصورة حتّى أصبحت تلك الأرض بهم بارزة ، وحضرت من أهل الأبلستين هنالك جماعة من أهل التّقى والدّين ، واستخبرهم مولانا السلطان عن عدّة قتلى المغل فقالوا : * ( فَسْئَلِ ) *
--> ( 1 ) كذا في الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ( 2 ) في الروض الزاهر « وكيف نهشتهم من النسور مياسرها » وعبارة « الروض » أقرب إلى الصواب ، شرط استبدال « مياسرها » ب « مناسرها » ، فهي غير مستقيمة . ( 3 ) هذأ فلان العدوّ : أفناهم . وفي الروض : « هزأ بهم كل شيء » وفيه تحريف . ( 4 ) أي ساقت إليهم .